القاضي عبد الجبار الهمذاني
221
المغني في أبواب التوحيد والعدل
العدول عما يضره من المعاصي إلى ما ينفعه من الطاعة ؛ وإذا كانت الحال ما وصفنا ، فكيف يدعى في ذلك الوجود ؟ . ولا فرق بين من قال ذلك في الفقر وبين من أوجبه في الغنى ؛ لأنا قد نشاهد الغنى يلهو عن العبادات ويتشاغل بالفساد لتمكنه من المال ؛ وهذا يوجب أنهما « 1 » جميعا - مع كونهما في حد التضاد - يصرفان عن الطاعة ، وقد علمنا أن ذلك محال . فإن قال : أليس الوالد يعمل في مصالح ولده على ما يظنه ويجده « 2 » ، فهلا جاز أن نحكم من جهة العقل في الفقر والشدّة بما ذكرناه ؟ قيل له : إن الّذي كلف أحدنا في استصلاح من يدبره أن يعمل على الظن ، لأنه لا يعرف العواقب والأمور المستقبلة ، وقد عرف بعقله أمارات الظن على الجملة ، فالواجب أن يعمل عليه ؛ وليس كذلك حال ما يفعله تعالى بالمكلف ، لأن تدبيره « 3 » على ما يوجبه علمه بأحواله . وقد علمنا أن أحدنا لا يعرف ما سيختار غيره من الأفعال عند الأمور الحادثة فيه ، فيجب أن نكل الأمور في ذلك إلى اللّه تعالى ، وأن نقطع على أن أحدنا لا يعرف الحال في ذلك إلا من جهة السمع ما بيناه . شبهة أخرى قالوا : قد بينت أن النبي صلّى اللّه عليه بعث إلى قوم كفروا به وكذبوه وحاربوه ، ولولا بعثه إليهم ودعاؤه « 4 » لهم لم يفعلوا ذلك ، وهذا صورة للمفسدة ، وقد فعله تعالى ، فكيف يجوز أن نحكم بوجوب اللطف ؟
--> ( 1 ) أي الفقر والغنى . ( 2 ) أي يضع حدودا له . ( 3 ) في الأصل : تدبره . ( 4 ) في الأصل ودعاه .